ابن قيم الجوزية

198

البدائع في علوم القرآن

على محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وأقرأ التوراة ، فلم تجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله اللّه عليهم ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة ، فلما غضب اللّه عز وجل على بني إسرائيل رفعه ، فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم . وروى أبو داود أيضا أن يهوديا خاصم أبا العالية في القبلة ، فقال أبو العالية : إن موسى كان يصلي عند الصخرة ويستقبل البيت الحرام فكانت الكعبة قبلته ، وكانت الصخرة بين يديه . وقال اليهودي : بيني وبينك مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال أبو العالية : فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة ، انتهى . قلت : وقد تضمن هذا الفصل فائدة جليلة ، وهي : أن استقبال أهل الكتاب لقبلتهم لم يكن من جهة الوحي والتوفيق من اللّه ، بل كان عن مشورة منهم واجتهاد . أما النصارى فلا ريب أن اللّه لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق أبدا . وهم مقرون بذلك ومقرون أن قبلة المسيح كانت قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة . إنما وضع لهم شيوخهم وأسلافهم هذه القبلة ، وهم يعتذرون عنهم بأن المسيح فوض إليهم التحليل والتحريم وشرع الأحكام ، وأن ما حللوه وحرموه فقد ح للّه هو وحرمه في السماء . فهم مع اليهود متفقون على أن اللّه لم يشرع استقبال المشرق على لسان رسوله أبدا ، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك . وأما قبلة اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة ، إنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا ، فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا إليه ، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة . وأما السامرة فإنهم يصلون إلى طور لهم بأرض الشام يعظمونه ويحجون إليه ، ورأيته أنا وهو في بلد نابلس وناظرت فضلاءهم في استقباله . وقلت : هو قبلة باطلة مبتدعة ، فقال مشار إليه في دينهم : هذه هي القبلة الصحيحة ، واليهود أخطئوها لأن اللّه تعالى أمر في التوراة باستقباله عينا ، ثم ذكر نصا يزعمه من التوراة في استقباله ، فقلت له : هذا خطأ قطعا على التوراة ، لأنها إنما أنزلت على بني إسرائيل ، فهم المخاطبون بها وأنتم فرع عليهم فيها ، وإنما تلقيتموها عنهم ، وهذا النص ليس في التوراة التي بأيديهم وأنا رأيتها وليس هذا فيها ، فقال لي : صدقت ، إنما هو في توراتنا خاصة ، قلت له : فمن المحال أن يكون أصحاب التوراة المخاطبون بها وهم الذين تلقوها عن الكليم وهم متفرقون في أقطار الأرض قد